الخميس، يناير 03، 2013

{ إنَّ الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم }

إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( 11 ) ) 

هَذِهِ الْعَشْرُ الْآيَاتِ كُلُّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، حِينَ رَمَاهَا أَهْلُ الْإِفْكِ وَالْبُهْتَانِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِمَا قَالُوهُ مِنَ الْكَذِبِ الْبَحْتِ وَالْفِرْيَةِ الَّتِي غَارَ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا وَلِنَبِيِّهِ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، فَأَنْزَلَ [ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ] بَرَاءَتَهَا صِيَانَةً لِعِرْضِ الرَّسُولِ ، عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فَقَالَ : ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ أَيْ : جَمَاعَةٌ مِنْكُمْ ، يَعْنِي : مَا هُوَ وَاحِدٌ وَلَا اثْنَانِ بَلْ جَمَاعَةٌ ، فَكَانَ الْمُقَدَّمُ فِي هَذِهِ اللَّعْنَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ رَأْسَ الْمُنَافِقِينَ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَجْمَعُهُ وَيَسْتَوْشِيهِ ، حَتَّى دَخَلَ ذَلِكَ فِي أَذْهَانِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ ، فَتَكَلَّمُوا بِهِ ، وَجَوَّزَهُ آخَرُونَ مِنْهُمْ ، وَبَقِيَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ ، حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ ، وَسِيَاقُ ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ . 

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا ، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ ، وَكُلُّهُمْ قَدْ حَدَّثَنِي بِطَائِفَةٍ مِنْ حَدِيثِهَا ، وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوَعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ وَأَثْبَتَ اقْتِصَاصًا ، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي ، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا : ذَكَرُوا أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا ، فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي ، وَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَلِكَ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ ، فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ مَسِيرَنَا ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوِهِ وَقَفَلَ وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِفَلَمَسْتُ صَدْرِي ، فَإِذَا عِقْدٌ مِنْ جَزْعِ ظَفَارٍ قَدِ انْقَطَعَ ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي ، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ . وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ بِي فَحَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ - وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنِّي فِيهِ - قَالَتْ : وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يُهَبِّلْهُنَّ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ ، إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ . فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَحَّلُوهُ وَرَفَعُوهُ ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا ، ص: 20 ] وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ ، وَظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ . فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي ، غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ - وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ - فَادَّلَجَ فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي ، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ ، فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي . وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيَّ الْحِجَابُ ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي ، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي ، وَاللَّهِ مَا كَلَّمَنِي كَلِمَةً ، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ ، حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ ، فَوْطِئَ عَلَى يَدِهَا فَرَكِبْتُهَا ، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَمَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ . فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِي شَأْنِي ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْنَا شَهْرًا ، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَهِلِ الْإِفْكِ ، وَلَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي ، إِنَّمَا يَدْخُلُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُسَلِّمُ ، ثُمَّ يَقُولُ : " كَيْفَ تِيكُمْ؟ " فَذَلِكَ يَرِيبُنِي وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ ، حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَمَا نَقَهْتُ وَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسطْحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ - وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا - وَلَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا ، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي التَّنَزُّهِ ، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا فِي بُيُوتِنَا . فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ - وَهِيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ ، خَالَةُ أَبِي بَكْرٍالصِّدِّيقِ ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَابْنَةُ أَبِي رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا ، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ : " تَعِسَ مِسْطَحُ " . فَقُلْتُ لَهَا : بِئْسَمَا قُلْتِ ، تَسُبِّينَ رَجُلًا [ قَدْ ] شَهِدَ بَدْرًا؟ قَالَتْ : أَيْ هَنْتَاهْ ، أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قُلْتُ : وَمَاذَا قَالَ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ ، فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي . فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : " كَيْفَ تِيكُمْ؟ " قُلْتُ : أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ - قَالَتْ : وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَتَيَقَّنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا - فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجِئْتُ أَبَوَيَّ فَقُلْتُ لِأُمِّي : يَا أُمَّتَاهُ ، مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فَقَالَتْ : أَيْ بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ ، عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا ، وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا . قَالَتْ : فَقُلْتُ : سُبْحَانَ اللَّهِ أَوَقَدَ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ : فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ ، لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي . فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ ، يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ ، قَالَتْ : فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ لَهُ مِنَ الْوُدِّ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هُمْ أَهْلُكَ ، وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا . وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ : لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ ، وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ الْخَبَرَ . قَالَتْ : فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ ، فَقَالَ : " أَيْ بَرِيرَةُ ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ مِنْ عَائِشَةَ؟ فَقَالَتْ لَهُ بِرَيْرَةُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمَرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا ، أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا ، فَتَأْتِي الدَّاجِنَ فَتَأْكُلُهُ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ قَالَتْ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ : " يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا ، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا ، ص: 21 ] وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي " . فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ : أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنْ كَانَ مِنَ الْأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَالْخَزْرَجِ ، أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ . قَالَتْ : فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ - وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا ، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ - فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ . فَقَامَ أُسَيدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ كَذَبْتَ! لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ . فَتَثَاوَرَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ . فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَتْ : وَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ ، لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ، وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقُ كَبِدِي . قَالَتْ : فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي ، اسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَأَذِنْتُ لَهَا ، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ - قَالَتْ : وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ [ لِي ] مَا قِيلَ ، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي شَيْءٌ - قَالَتْ : فَتَشْهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ جَلَسَ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا ، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ ثُمَّ تُوبِي إِلَيْهِ ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبٍ ثُمَّ تَابَ ، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ . قَالَتْ : فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً ، فَقُلْتُ لِأَبِي : أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِلرَّسُولِ . فَقُلْتُ لِأُمِّي : أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ . فَقَالَتْ : وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ . قَالَتْ : فَقُلْتُ - وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ ، لَا أَحْفَظُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ - : [ إِنِّي ] وَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِهَذَا ، حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ ، ولَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ - وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ - لَا تُصَدِّقُونِي [ بِذَلِكَ . وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ تُصَدِّقُونِي ] ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ : (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) [ يُوسُفَ : 18 ] . قَالَتْ : ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي ، قَالَتْ : وَأَنَا وَاللَّهِ حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يُنْزَلَ فِي شَأْنَيْ وَحَيٌّ يُتْلَى ، وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى . وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا . قَالَتْ : فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَجْلِسِهِ ، وَلَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ عِنْدَ الْوَحْيِ ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَنْحَدِرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِ ، مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ . قَالَتْ : فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَضْحَكُ ، كَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ : " أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ ، أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ . فَقَالَتْ لِي أُمِّي : قُومِي إِلَيْهِ . فَقُلْتُ : وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ عَشْرَ آيَاتٍ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي بَرَاءَتِي قَالَتْ : فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ - : وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ ص: 22 ] وَجَلَّ : ( وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ إِلَى قَوْلِهِ ( أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ) [ النُّورِ : 22 ] فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي ، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ . وَقَالَ : لَا أَنْزَعُهَا مِنْهُ أَبَدًا . 

قَالَتْ عَائِشَةُ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، عَنْ أَمْرِي : يَا زَيْنَبُ ، مَا عَلِمْتِ ، أَوْ مَا رَأَيْتِ [ أَوْ مَا بَلَغَكِ ] ؟ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي ، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا . قَالَتْ عَائِشَةُ وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْوَرَعِ . وَطَفِقَتْ أُخْتُهَاحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ تُحَارِبُ لَهَا ، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ . 

قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَهَذَا مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ . 

أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ ، قَالَ : وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 

ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : لَمَّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنَي الَّذِي ذُكِرَ وَمَا عَلِمْتُ بِهِ ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيَّ خَطِيبًا ، فَتَشْهَّدَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، ثُمَّ قَالَ : " أَمَّا بَعْدُ ، أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي ، وَايْمُ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ ، وأَبَنُوهُمْ بِمَنْ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُّ ، وَلَا يَدْخُلُ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا وَأَنَا حَاضِرٌ ، وَلَا غِبْتُ فِي سَفَرٍ إِلَّا غَابَ مَعِي " . فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ : ائْذَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ نَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ ، فَقَامَ رَجُلٌ مَنَ الْخَزْرَجِ وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ [ بْنِ ثَابِتٍ ] مِنْ رَهْطِ ذَلِكَ الرَّجُلِ - فَقَالَ : كَذَبْتَ ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ كَانُوا مِنَ الْأَوْسِ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ تَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ . حَتَّى كَادَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ شَرٌّ فِي الْمَسْجِدِ ، وَمَا عَلِمْتُ . فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي وَمَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ ، فَعَثَرَتْ فَقَالَتْ : تَعِسَ مِسْطَحٌ ، فَقُلْتُ : أَيُّ أُمٍّ ، أَتَسُبِّينَ ابْنَكِ؟ وَسَكَتَتْ ، ثُمَّ عَثَرَتِ الثَّانِيَةَ فَقَالَتْ : تَعِسَ مِسْطَحٌ فَقُلْتُ لَهَا : أَيُّ أُمٍّ ، تَسُبِّينَ ابْنَكِ؟ ثُمَّ عَثَرَتِ الثَّالِثَةَ فَقَالَتْ : تَعِسَ مِسْطَحٌ فَانْتَهَرْتُهَا فَقَالَتْ : وَاللَّهِ مَا أَسُبُّهُ إِلَّا فِيكِ ، فَقُلْتُ : فِي أَيِّ شَأْنِي؟ قَالَتْ : فَبَقَرَتْ لِي الْحَدِيثَ . فَقُلْتُ : وَقَدْ كَانَ هَذَا؟ قَالَتْ : نَعَمْ وَاللَّهِ . فَرَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي كَأَنَّ الَّذِي خَرَجْتُ لَهُ لَا أَجِدُ مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا ، ووُعِكْتُ ، وَقَلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرْسِلْنِي إِلَى بَيْتِ أَبِي . فَأَرْسَلَ مَعِي الْغُلَامَ ، فَدَخَلْتُ الدَّارَ ، فَوَجَدْتُ أُمَّ رُومَانَ فِي السُّفْلِ ، وَأَبَا بَكْرٍ فَوْقَ الْبَيْتِ يَقْرَأُ ، فَقَالَتْ [ لِي ] أُمِّي : مَا جَاءَ بِكِ يَا بُنَيَّةُ؟ فَأَخْبَرْتُهَا ، وَذَكَرْتُ لَهَا الْحَدِيثَ ، وَإِذَا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مِثْلَ مَا بَلَغَ مِنِّي ، [ فَقَالَتْ : يَا بُنَيَّةُ ، خَفِّضِي عَلَيْكِ الشَّأْنَ; فَإِنَّهُ - وَاللَّهِ - لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ ص: 23 ] حَسْنَاءُ ، عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا ، لَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا حَسَدْنَهَا ، وَقِيلَ فِيهَا وَإِذَا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مَا بَلَغَ مِنِّي ، فَقُلْتُ : وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَبِي؟ قَالَتْ : نَعَمْ . قُلْتُ : وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] . فَاسْتَعْبَرْتُ وَبَكَيْتُ ، فَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتِي ، وَهُوَ فَوْقُ الْبَيْتِ يَقْرَأُ ، فَنَزَلَ فَقَالَ لِأُمِّي : مَا شَأْنُهَا؟ قَالَتْ : بَلَغَهَا الَّذِي ذُكِرَ مِنْ شَأْنِهَا . فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ وَقَالَ : أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ - أَيْ بُنَيَّةُ - إِلَّا رَجَعْتِ إِلَى بَيْتِكِ فَرَجَعْتُ ، وَلَقَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتِي ، فَسَأَلَ عَنِّي خَادِمِي فَقَالَتْ : لَا وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْبًا ، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ فَتَأْكُلَ خَمِيرَهَا - أَوْ : عَجِينَهَا - وَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ : اصْدُقِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ ، فَقَالَتْ : سُبْحَانَ اللَّهِ . وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الْأَحْمَرِ . وَبَلَغَ الْأَمْرُ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ ، فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ . وَاللَّهِ مَا كَشَفْتُ كَنَفَ أُنْثَى قَطُّ - قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُتِلَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ - قَالَتْ : وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي ، فَلَمْ يَزَالَا حَتَّى دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ صَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ دَخَلَ وَقَدِ اكْتَنَفَنِي أَبَوَايَ ، عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : " أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ ، إِنْ كُنْتِ قَارَفْتِ سُوءًا أَوْ ظَلَمْتِ فَتُوبِي إِلَى اللَّهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ " . قَالَتْ : وَقَدْ جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَهِيَ جَالِسَةٌ بِالْبَابِ ، فَقُلْتُ : أَلَا تَسْتَحِي مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا؟ فَوَعَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَالْتَفَتُّ إِلَى أَبِي ، فَقُلْتُ لَهُ : أَجِبْهُ . قَالَ : فَمَاذَا أَقُولُ؟ فالْتَفَتُّ إِلَى أُمِّي فَقُلْتُ : أَجِيبِيهِ . قَالَتْ : أَقُولُ مَاذَا؟ فَلَمَّا لَمْ يُجِيبَاهُ ، تَشَهَّدْتُ فَحَمِدْتُ اللَّهَ وَأَثْنَيْتُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، ثُمَّ قُلْتُ : أَمَّا بَعْدُ ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي لَمْ أَفْعَلْ - وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَشْهَدُ إِنِّي لَصَادِقَةٌ - مَا ذَاكَ بِنَافِعِي عِنْدَكُمْ ، لَقَدْ تَكَلَّمْتُمْ بِهِ ، وَأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُكُمْ ، وَإِنْ قُلْتُ : إِنِّي قَدْ فَعَلْتُ - وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْ - لَتَقُولُنَّ : قَدْ بَاءَتْ بِهِ عَلَى نَفْسِهَا ، وَإِنِّي - وَاللَّهِ - مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا - وَالْتَمَسْتُ اسْمَيَعْقُوبَ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ - إِلَّا أَبَا يُوسُفَ حِينَ قَالَ : ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) [ يُوسُفَ : 18 ] ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سَاعَتِهِ ، فَسَكَتْنَا ، فَرُفِعَ عَنْهُ وَإِنِّي لَأَتَبَيَّنُ السُّرُورَ فِي وَجْهِهِ ، وَهُوَ يَمْسَحُ جَبِينَهُ وَيَقُولُ : " أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَكِ " قَالَتْ : وَكُنْتُ أَشَدَّ مَا كُنْتُ غَضَبًا ، فَقَالَ لِي أَبَوَايَ : قُومِي [ إِلَيْهِ ] فَقُلْتُ : لَا وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ وَلَا أَحْمَدُهُ وَلَا أَحْمَدُكُمَا ، وَلَكِنْ أَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي ، لَقَدْ سَمِعْتُمُوهُ فَمَا أَنْكَرْتُمُوهُ وَلَا غَيَّرْتُمُوهُ ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ : أَمَّا زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فَقَدْ عَصَمَهَا اللَّهُ بِدِينِهَا ، فَلَمْ تَقُلْ إِلَّا خَيْرًا . وَأَمَّا أُخْتُهَاحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ ، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ . وَكَانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ مِسْطَحٌ وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَمَّا الْمُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ فَهُوَ الَّذِي [ كَانَ ] يَسْتَوْشِيهِ وَيَجْمَعُهُ ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ هُوَ وَحَمْنَةُ قَالَتْ : وَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَلَّا يَنْفَعَ مِسْطَحًا بِنَافِعَةٍ أَبَدًا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، يَعْنِي : أَبَا بَكْرٍ ، وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ يَعْنِي : مِسْطَحًا ، إِلَى قَوْلِهِ : ( أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [ النُّورِ : 22 ] . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بَلَى وَاللَّهِ يَا رَبَّنَا ، إِنَّا لِنُحِبُّ أَنْ تَغْفِرَ لَنَا وَعَادَ لَهُ بِمَا كَانَ يَصْنَعُ . 

هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُعَلَّقًا بِصِيغَةِ الْجَزْمِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ حَمَّادِ بْنِ أُسَامَةَ أَحَدِ ص: 24 ] الْأَئِمَّةِ الثِّقَاتِ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ بِهِ مُطَوَّلًا مِثْلَهُ أَوْ نَحْوَهُ . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، بِبَعْضِهِ . 

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي مِنَ السَّمَاءِ ، جَاءَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَنِي بِذَلِكَ ، فَقُلْتُ : نَحْمَدُ اللَّهَ لَا نَحْمَدُكَ . 

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ ، وَتَلَا الْقُرْآنَ ، فَلَمَّا نَزَلَ أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ 

وَأَخْرَجَهُ أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ تَسْمِيَتُهُمْ : حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَمِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ

فَهَذِهِ طُرُقٌ مُتَعَدِّدَةٌ ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فِي الْمَسَانِيدِ وَالصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَغَيْرِهَا . 

وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّهَا أُمِّ رُومَانَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ 

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ أُمِّ رُومَانَ قَالَتْ : بَيْنَا أَنَا عِنْدَ عَائِشَةَ ، إِذْ دَخَلَتْ عَلَيْهَا امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَتْ : فَعَلَ اللَّهُ - بِابْنِهَا - وَفَعَلَ . فَقَالَتْ عَائِشَةُ وَلِمَ؟ قَالَتْ : إِنَّهُ كَانَ فِيمَنْ حَدَّثَ الْحَدِيثَ . قَالَتْ عَائِشَةُ وَأَيُّ حَدِيثٍ؟ قَالَتْ : كَذَا وَكَذَا . قَالَتْ : وَقَدْ بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، وَبَلَغَ أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، فَخَرَّتْ عَائِشَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، مَغْشِيًّا عَلَيْهَا ، فَمَا أَفَاقَتْ إِلَّا وَعَلَيْهَا حُمَّى بِنَافِضٍ . قَالَتْ : فَقُمْتُ فَدَثَّرْتُهَا ، قَالَتْ : وَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ " قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخَذَتْهَا حُمَّى بِنَافِضٍ . قَالَ : فَلَعَلَّهُ فِي حَدِيثٍ تُحُدِّثَ بِهِ " . قَالَتْ : فَاسْتَوَتْ لَهُ عَائِشَةُ قَاعِدَةً فَقَالَتْ : وَاللَّهِ لَئِنْ حَلَفْتُ لَكُمْ لَا تُصَدِّقُونِي ، وَلَئِنِ اعْتَذَرْتُ إِلَيْكُمْ لَا تَعْذِرُونِي ، فَمَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ يَعْقُوبَ وَبَنِيهِ ( وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) [ يُوسُفَ : 18 ] قَالَتْ : وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَهَا ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ ، فَدَخَلَ فَقَالَ : " يَا عَائِشَةُ ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَنْزَلَ عُذْرَكِ " . فَقَالَتْ : بِحَمْدِ اللَّهِ لَا بِحَمْدِكَ . فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ تَقُولِينَ هَذَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ : نَعَمْ . قَالَتْ : فَكَانَ فِيمَنْ حَدَّثَ هَذَا الْحَدِيثَ رَجُلٌ كَانَ يَعُولُهُأَبُو بَكْرٍ ]فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَلَّا يَصِلَهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [ النُّورِ : 22 ] ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ بَلَى ، فَوَصَلَهُ . 

ص: 25 ] 

تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ دُونَ مُسْلِمٍ ، مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنٍ وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ حُصَيْنٍ ، بِهِ وَفِي لَفْظِ أَبِي عَوَانَةَ حَدَّثَتْنِي أُمُّ رُومَانَ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي سَمَاعِ مَسْرُوقٍ مِنْهَا ، وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ ، مِنْهُمُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ ، وَذَلِكَ لِمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ التَّارِيخِ أَنَّهَا مَاتَتْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ الْخَطِيبُ وَقَدْ كَانَ مَسْرُوقٌ يُرْسِلُهُ فَيَقُولُ : " سُئِلَتْ أُمُّ رُومَانَ ، وَيَسُوقُهُ ، فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ كَتَبَ " سُئِلَتْ " بِأَلِفٍ ، فَاعْتَقَدَ الرَّاوِي أَنَّهَا " سَأَلْتُ " ، فَظَنَّهُ مُتَّصِلًا . قَالَ الْخَطِيبُ : " وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّكَذَلِكَ ، وَلَمْ تَظْهَرْ لَهُ عِلَّتُهُ " . كَذَا قَالَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 

فَقَوْلُهُ : ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ أَيْ : بِالْكَذِبِ وَالْبَهْتِ وَالِافْتِرَاءِ ، ( عُصْبَةٌ ) أَيْ : جَمَاعَةٌ مِنْكُمْ ، ( لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ أَيْ : يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ أَيْ : فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، لِسَانُ صِدْقٍ فِي الدُّنْيَا وَرِفْعَةُ مَنَازِلَ فِي الْآخِرَةِ ، وَإِظْهَارُ شَرَفٍ لَهُمْ بِاعْتِنَاءِ اللَّهِ بِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، حَيْثُ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَرَاءَتَهَا فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ الَّذِي ( لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) [ فُصِّلَتْ : 42 ] وَلِهَذَا لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا ابْنُ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهِيَ فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ ، قَالَ لَهَا : أَبْشِرِي فَإِنَّكِ زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ يُحِبُّكِ ، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَكِ ، وَأُنْزِلَ بَرَاءَتُكِ مِنَ السَّمَاءِ . 

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ ، عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ عُرْفَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ قَالَ : تَفَاخَرَتْ عَائِشَةُ وَزَيْنَبُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فَقَالَتْ زَيْنَبُ أَنَا الَّتِي نَزَلَ تَزْوِيجِي [ مِنَ السَّمَاءِ ] قَالَ : وَقَالَتْ عَائِشَةُ أَنَا الَّتِي نَزَلَ عُذْرِي فِي كِتَابِهِ ، حِينَ حَمَلَنِي ابْنُ الْمُعَطَّلِ عَلَى الرَّاحِلَةِ . فَقَالَتْ لَهَا زَيْنَبُ يَا عَائِشَةُ ، مَا قُلْتِ حِينَ رَكَبْتِيهَا؟ قَالَتْ : قُلْتُ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . قَالَتْ : قُلْتِ كَلِمَةَ الْمُؤْمِنِينَ . 

وَقَوْلُهُ : ( لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ أَيْ : لِكُلِّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَرَمَى أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، بِشَيْءٍ مِنَ الْفَاحِشَةِ ، نَصِيبٌ عَظِيمٌ مِنَ الْعَذَابِ . 

وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ قِيلَ : ابْتَدَأَ بِهِ . وَقِيلَ : الَّذِي كَانَ يَجْمَعُهُ وَيَسْتَوْشِيهِ وَيُذِيعُهُ وَيُشِيعُهُ ، ( لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ أَيْ : عَلَى ذَلِكَ . 

ثُمَّ الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ قَبَّحَهُ اللَّهُ وَلَعْنَهُ - وَهُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ النَّصُّ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ ، وَقَالَ ذَلِكَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ . 

وَقِيلَ : بَلِ الْمُرَادُ بِهِ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَهُوَ قَوْلٌ غَرِيبٌ ، وَلَوْلَا أَنَّهُ وَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مَا ص: 26 ] قَدْ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لَمَا كَانَ لِإِيرَادِهِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ ، فَإِنَّهُ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانَ لَهُمْ فَضَائِلُ وَمَنَاقِبُ وَمَآثِرُ ، وَأَحْسَنُ مَحَاسِنِهِ أَنَّهُ كَانَ يَذُبُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ بِشِعْرِهِ ] ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَاجِهِمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ " 
وَقَالَ الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فَدَخَلَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ، فَأَمَرَتْ فَأُلْقِيَ لَهُ وِسَادَةٌ ، فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ مَا تَصْنَعِينَ بِهَذَا؟ يَعْنِي : يَدْخُلُ عَلَيْكِ - وَفِي رِوَايَةٍ قِيلَ لَهَا : أَتَأْذَنِينَ لِهَذَا يَدْخُلُ عَلَيْكِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ : ( وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ؟ قَالَتْ : وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى - وَكَانَ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ - لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ هُوَ الْعَذَابَ الْعَظِيمَ . ثُمَّ قَالَتْ : إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 

وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ أَنْشَدَهَا عِنْدَمَا دَخَلَ عَلَيْهَا [ شِعْرًا ] يَمْتَدِحُهَا بِهِ ، فَقَالَ : 

حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ وتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ


فَقَالَتْ : أَمَّا أَنْتَ فَلَسْتَ كَذَلِكَ . وَفِي رِوَايَةٍ : لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ . 

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ قَزَعَةَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : مَا سَمِعْتُ بِشَيْءٍ أَحْسَنَ مِنْ شِعْرِحِسَّانَ ، وَلَا تَمَثَّلْتُ بِهِ إِلَّا رَجَوْتُ لَهُ الْجَنَّةَ ، قَوْلُهُ لِأَبِي سُفْيَانَ - يَعْنِي ابْنَ [ الْحَارِثِ ] بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - : 


هَجَوتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ     وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ 
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وعِرْضِي     لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ 
أَتَشْتُمُهُ ، وَلَسْتَ لَهُ بِكُفءٍ؟     فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ 
لِسَانِي صَارِمٌ لَا عَيْبَ فِيهِ     وَبَحْرِي لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلاءُ 


فَقِيلَ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَلَيْسَ هَذَا لَغْوًا؟ قَالَتْ : لَا إِنَّمَا اللَّغْوُ مَا قِيلَ عِنْدَ النِّسَاءِ . قِيلَ : أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ ( وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ، قَالَتْ : أَلَيْسَ قَدْ أَصَابَهُ [ عَذَابٌ ] عَظِيمٌ؟ [ أَلَيْسَ ] قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ وَكُنِّعَ بِالسَّيْفِ؟ تَعْنِي : الضَّرْبَةَ الَّتِي ضَرَبَهُ إِيَّاهَا صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ [ السُّلَمِيُّ ] ، حِينَ بَلَغَهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ فِي ذَلِكَ ، فَعَلَاهُ بِالسَّيْفِ ، وَكَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق