شبكة طريق الجنة

قال الله تعالى:(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}”

01 نوفمبر, 2009

أحكام الأضحية

أحكام الأضحية
نبذة :
إن نعم الله على عباده كثيرة لا تعد ولا تحصى.. ومن نعمه سبحانه أن جعل لعباده مواسم يستكثرون فيها من العمل الصالح لأن عمر الإنسان قصير ومحدود بل قال صلى الله عليه وسلم: «أعمار أمتي بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك» [رواه ابن ماجه عن أبي هريرة]..


إن نعم الله على عباده كثيرة لا تعد ولا تحصى.. ومن نعمه سبحانه أن جعل لعباده مواسم يستكثرون فيها من العمل الصالح لأن عمر الإنسان قصير ومحدود بل قال صلى الله عليه وسلم: «أعمار أمتي بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك» [رواه ابن ماجه عن أبي هريرة].. ولما علم الله ضعف عباده وغشيانهم بالذنوب جعل لهم مواسم تضاعف فيها الأجور وتكثر فيها الأعمال الصالحة حتى تكثر حسناتهم وتكفر عن سيئاتهم.. ومن هذه المواسم العشر من ذي الحجة..

واعلم رحمك الله بأن كثيرًا من المسلمين إلا من رحم الله قد ضيعوا هذه السنن وأصبحت مفقودة عندهم.. فلابد أن نحيي هذه السنة التي ضيعت في هذه الأزمان وللأسف بخلاف ما كان عليه السلف الصالح.. نسأل الله أن يوفقنا لاغتنام مواسم الخير وأن يعيننا فيه على طاعته وحسن عبادته..

الأضحية:
اسم لما ينحر أو يذبح من الإبل والبقر والغنم يوم النحر وأيام التشريق تقربا إلى الله تعالى.

حكمها:
ذهب إلى وجوبها ربيعة والأوزاعي والليث والمشهور عن أبي حنيفة أنها واجبة على المقيم الذي يملك نصابا استدلالاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا» [رواه ابن ماجة والحاكم] وذهب الإمام أحمد إلى الكراهه لمن تركها مع القدرة.

سنها:
يجزئ من الإبل ماله خمس سنين ومن البقر ماله سنتان ومن الغنم والمعز ماله ستة أشهر، لحديث عقبة بن عامر: "ضحينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بجذع من الضأن" [رواه النسائي].. وحديث مجاشع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«إن الجذع يوفي مما يوفي منه الثنية» [رواه أبو داود وابن ماجة].

سلامتها:
لا تجزىء الأضحية بذات العيب، لقولـه صلى الله عليه وسلم: «أربع لا تجوز في الأضاحي، العوراء البين عورها، والمـريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها والكسيرة التي لا تنقي» أي التي لا مخ في عظامها وهي الهازل العجفاء. [رواه أبوداود والترمذي والنسائي].

أفضلها:
ما كان يضرب لونه إلى بياض غير ناصع لقولـه صلى الله عليه وسلم: «دم عفراء أحب الى الله من سوداوين» رواه أحمد والحاكم عن أبي هريرة .. ولما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يضحي بكبش أقرن فحيل ينظر في سواد يأكل في سواد ويمشي في سواد [رواه أبو داود عن أبي سعيد].

جواز الاشتراك في الأضحية:
تجوز المشاركة في الأضحية إذا كانت من الإبل والبقر فعن جابر رضي الله عنه قال: "نحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة" [رواه مسلم واحمد عن جابر].

وقت الذبح:
بعد صلاة العيد لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ذبح قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين» [رواه البخاري عن أنس بن مالك].

ويمتد وقت الذبح من أول يوم النحر إلي آخر يوم التشريق وهو مغيب الشمس من اليوم الثالث من أيام التشريق، لما ثبت عنهصلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل أيام التشريق ذبح» [رواه أحمد عن جبير بن مطعم].

أجرة جازرها:
لا يعطى الجازر أجرة عمله من الأضحية لحديث على رضي الله عنه قال: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنة وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأّجلتها وأن لا أعطى الجازر منها، قال: ونحن نعطيه من عندنا" [متفق عليه].

قسمتها المستحبة:
يستحب أن تقسم ثلاثاً: يأكل أهل البيت ثلثاً، ويتصدقون بثلث، ويهدون ثلثاً لقوله صلى الله عليه وسلم: «كلوا وأطعموا وادخروا»[رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري].

كفاية الأضحية عن أهل البيت:
تجزئ الشاة الواحدة عن أهل البيت كافة وإن كانوا أنفاراً عديدين لقول أبى أيوب رضي الله عنه: "كان الرجل فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته" [رواه الترمذى وابن ماجه].. والأضحية عبادة يؤديها الحي ولا يشرع أداؤها عن الأموات.

صحة الوكالة فيها:
يستحب للمضحى أن يذبح أضحيته بيده، وإن استناب من يذبح أضحيته فهو جائز ولا خلاف في ذلك.


التسمية والتكبير على الأضحية:
عن أنس رضي الله عنه قال: "ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما" [متفق عليه].


ما يتجنبه من عزم على الأضحية:
على من أراد أن يضحي أن لا يأخذ من شعره وأظفاره لما ثبت من حديث أم سلمة رضى الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان له ذبح يذبحه، فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي» [رواه مسلم].

العمل في العشر ذي الحجة:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأيَّامِ يَعْنِي الْعَشْرَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ ولا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» [رواه البخاري والترمذي عن ابن عباس].

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه فيهن من هذه الأيـام العشـر فأكثـروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد» [رواه أحمد عن ابن عمر].

قال ابن حجر في الفتح ( 2/457 ): "والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادات فيه وهي: الصلاة والصيام والصدقة والحج ولا يأتي ذلك في غيره". أهـ


صيام عرفة:
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم َسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ» [متفق عليه].


سلسلة العلامتين

ومن يمنعك من الحجاب

ومن يمنعك من الحجاب

نبذة :
من الصور التي تدل على ابتعاد المجتمع عن ذلك الطريق، وتوضح - بدقة - مقدار انحرافه وتحلله: "تفشي ظاهرة السفور والتبرج بين الفتيات". وهذه الظاهرة نجد أنّها أصبحت - للأسف - من سمات المجتمع الإسلامي!!

أحمد الله تعالى كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأصلي وأسلم على رسوله الكريم الذي رسم الطريق إلى رضوان الله وجنته.

فكان ذلك الطريق مستقيماً، تحف جنباته الفضيلة، ويحفل بطيب الأخلاق، ويزدان بزينة الطهر والستر والعفاف.

وكان طريقاً يقود شقّي المجتمع الإنساني (الرجل والمرأة) إلى مرافئ الاطمئنان والسعادة في الدنيا والآخرة.

فكان من ذلك: أن أوجب المولى تبارك وتعالى على المرأة الحجاب؟ صوناً لعفافها، وحفاظاً على شرفها، وعنواناً لإيمانها.

من أجل ذلك كان المجتمع الذي يبتعد عن منهج الله ويتنكب طريقه المستقيم: مجتمعاً مريضاً يحتاج إلى العلاج الذي يقوده إلى الشفاء والسعادة.

ومن الصور التي تدل على ابتعاد المجتمع عن ذلك الطريق، وتوضح - بدقة - مقدار انحرافه وتحلله: "تفشي ظاهرة السفور والتبرج بين الفتيات".

وهذه الظاهرة نجد أنّها أصبحت - للأسف - من سمات المجتمع الإسلامي، رغم انتشار الزي الإسلامي فيه، فما هي الأسباب التي أدت إلى هذا الانحراف؟

للإجابة على هذا السؤال الذي طرحناه على فئات مختلفة من الفتيات كانت الحصيلة: عشرة أعذار رئيسة، وعند الفحص والتمحيص بدا لنا كم هي واهية تلك الأعذار!

معاً أختي المسلمة نتصفح هذه السطور؟ لنتعرف - من خلالها - على أسباب الإعراض عن الحجاب، ونناقشها كلاً على حدة:

العذر الأول:

قالت الأولى: "أنا لم أقتنع بعد بالحجاب".

نسأل هذه الأخت سؤالين:

الأول: هل هي مقتنعة أصلاً بصحة دين الإسلام؟

إجابتها بالطبع نعم مقتنعة؟، فهي تقول: ((لا إله إلا الله))، ويعتبر هذا اقتناعها بالعقيدة، وهي تقول: ((محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم))، ويعتبر هذا اقتناعها بالشريعة، فهي مقتنعة بالإسلام عقيدةً وشريعةً ومنهجاً للحياة.

الثاني: هل الحجاب من شريعة الإسلام وواجباته؟

لو أخلصت هذه الأخت وبحثت في الأمر بحث من يريد الحقيقة لقالت: نعم. فالله تعالى الذي تؤمن بألوهيته أمر بالحجاب في كتابه، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي تؤمن برسالته أمر بالحجاب في سنته.فماذا نسمي من يقتنع بصحة الإسلام ولا يفعل ما أمره الله تعالى به ورسوله الكريم؟، هو على أي حال لا يدخل مع الذين قال الله فيهم: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور:51].

خلاصة الأمر: إذا كانت هذه الأخت مقتنعة بالإسلام، فكيف لا تقتنع بأوامره؟

العذر الثاني:

قالت الثانية: "أنا مقتنعة بوجوب الزي الشرعي، ولكن والدتي تمنعني لبسه، وإذا عصيتها دخلت النّار".

يجيب على عذر هذه الأخت أكرم خلق الله رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقول وجيز حكيم: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».

مكانة الوالدين في الإسلام - وبخاصة الأم - سامية رفيعة، بل الله تعالى قرنها بأعظم الأمور - وهي عبادته وتوحيده - في كثير من الآيات، كما قال تعالى: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [النساء:36].

فطاعة الوالدين لا يحد منها إلاّ أمر واحد هو: أمرهما بمعصية الله؟، قال تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} [لقمان:15].

ولا يمنع عدم طاعتهما في المعصية في الإحسان إليهما وبرهما قال تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} [القمان:15].

خلاصة الأمر: كيف تطيعين أمك وتعصين الله الذي خلقك وخلق أمك؟

العذر الثالث:

أمّا الثالثة فتقول: "إمكانياتي المادية لا تكفي لاستبدال ملابسي بأخرى شرعية".

أختنا هذه إحدى اثنتين:

إما صادقة مخلصة، وإما كاذبة متملصة تريد حجاباً متبرجاً صارخ الألوان، يجاري موضة العصر غالي الثمن.

نبدأ بأختنا الصادقة المخلصة:

هل تعلمين يا أختاه أنّ المرأة المسلمة لا يجوز لها الخروج من المنزل بأي حال من الأحوال حتى يستوفي لباسها الشروط المعتبرة في الحجاب الشرعي والتي من الواجب على كل مسلمة معرفتها.

وإذا كنت تتعلمين أمور الدنيا فكيف لا تتعلمين الأمور الني تنجيك من عذاب الله وغضبه بعد الموت....؟! ألم يقل الله تعالى:{فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل:43]، فتعلمي يا أختي شروط الحجاب.

فإذا كان لا بد من خروجك فلا تخرجي إلاّ بالحجاب الشرعي، إرضاءً للرحمن، وإذلالاً للشيطان، وذلك لأنّ مفسدة خروجك سافرة متبرجة أكبر من مصلحة خروجك للضرورة.

يا أختي لو صدقت نيتك وصحت عزيمتك لامتدت إليك ألف يد خيرة ولسهل الله تعالى لك الأمور، أليس هو القائل: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:3،2].

أما أختنا المتملصة، فلها نقول:

الكرامة وسمو القدر عند الله تعالى لا تكون بزركشه الثياب وبهرجة الألوان ومجاراة أهل العصر، وإنّما تكون بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه و سلم والالتزام بالشريعة الطاهرة والحجاب الإسلامي الصحيح، واسمعي قول الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}[الحجرات:13].

خلاصة الأمر: في سبيل رضوان الله تعالى ودخول جنته: يهون كل غال ونفيس من نفس أو مال.

العذر الرابع:

جاء دور الرابعة، فقالت: "الجو حار في بلادي وأنا لا أتحمله، فكيف إذا لبست الحجاب".

لمثل هذه يقول الله تعالى: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} [التوبة:81].

كيف تقارنين حر بلادك بحر نار جهنم.

اعلمي - أختي الكريمة - أنّ الشيطان قد اصطادك بإحدى حبائله الواهية، ليخرجك من حر الدنيا إلى نار جهنم، فأنقذي نفسك من شباكه، واجعلي من حر الشمس نعمة لا نقمة، إذ هو يذكرك بشدة عذاب الله تعالى الذي يفوق هذا الحر أضعافاً مضاعفة، عندها ترجعين إلى أمر الله وتضحين براحة الدنيا في سبيل النجاة من النار، التي قال تعالى عن أهلها: {لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً (24) إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً} [النبأ:24-25].

خلاصة الأمر: حفّت الجنة بالمكاره، وحفّت النّار بالشهوات.

العذر الخامس:

لنستمع الآن إلى عذر الخامسة، حيث قالت: "أخاف إذا التزمت بالحجاب أن أخلعه مرة أخرى،فقد رأيت كثيرات يفعلن ذلك !!".

وإليها أقول: لو كان كل النّاس يفكرون بمنطقك هذا لتركوا الدين جملةً وتفصيلاً، ولتركوا الصلاة، لأنّ بعضهم يخاف تركها، ولتركوا الصيام لأنّ كثيرين يخافون من تركه... إلخ... أرأيت كيف نصب الشيطان حبائله مرة أخرى فصدك عن الهدى؟

والله تعالى يحب استمرار الطاعة حتى ولو كانت قليلة أو كانت مستحبة، فكيف إذا كان واجباً مفروضاً مثل الحجاب؟!

قال صلى الله عليه وسلم: «أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل».. لماذا لم تبحثي عن الأسباب التي أدّت بهؤلاء إلى ترك الحجاب حتى تجتنبيها وتعملي على تفاديها؟

لماذا لم تبحثي عن أسباب الثبات على الهداية والحق حتى تلتزمي بها؟

فمن تلك الأسباب: الإكثار من الدعاء بثبات القلب على الدين كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك: الصلاة والخشوع، قال تعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة:45].

ومنها: الالتزام بكل شرائع الإسلام ومنها: الحجاب، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً}[النساء:66].

خلاصة الأمر: لو تمسكت بأسباب الهداية وذُقت حلاوة الإيمان لما تركت أوامر الله تعالى بعد أن تلتزمي بها.

العذر السادس:

الآن هاهي ذات السادسة، فما قولها؟ قالت: "قيل لي: إذا لبست الحجاب فلن يتزوجك أحد لذلك سأترك هذا الأمر حتى أتزوج".

إن زوجاً يريدك سافرة متبرجة عاصية لله هو زوج غير جدير بك، زوج لا يغار على محارم الله، ولا يغار عليك، ولا يعينك على دخول الجنة والنجاة من النار.

إن بيتاً بني من أساسه على معصية الله وإغضابه حق على الله تعالى أن يكتب له الشقاء في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى:{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه:124].

وبعد، فإن الزواج نعمة من الله يعطيها من يشاء، فكم من متحجبة تزوجت، وكم من سافرة لم تتزوج. وإذا قلت: إن تبرجي وسفوري هو وسيلة لغاية طاهرة، ألا وهي الزواج، فإن الغاية الطاهرة لا تبيح الوسيلة الفاجرة في الإسلام، فإذا شرفت الغاية فلابد من طهارة الوسيلة، لأنّ قاعدة الإسلام تقول: "الوسائل لها حكم المقاصد".

خلاصة الأمر: لا بارك الله في زواج قام على المعصية والفجور.

العذر السابع:

وما قولك أيتها السابعة؟ قالت: "لا أتحجب عملاً بقول الله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى:11]، فكيف أخفي ما أنعم الله به علي من شعر ناعم وجمال فاتن؟".

أختنا هذه تلتزم بكتاب الله وأوامره مادامت هذه الأوامر توافق هواها وفهمها، وتترك هذه الأوامر نفسها حين، لا تعجبها، وإلا فلماذا لم تلتزم بقوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور:31]، وبقوله سبحانه: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ}[الأحزاب:59].

فأنت بقولك هذا يا أختاه؟! تكونين قد شرعت لنفسك ما نهى الله تعالى عنه، وهو التبرج والسفور، والسبب: عدم رغبتك في الالتزام.

إن أكبر نعمة أنعم الله بها علينا هي نعمة الإيمان والهداية، فلماذا لم تظهري وتتحدثي بأكبر النعم التي أنعم الله بها عليك ومنها الحجاب الشرعي؟

خلاصة الأمر: هل هناك نعمة أكبر للمرأة من الهداية والحجاب؟

العذر الثامن:

نأتي إلى أختنا الثامنة، التي تقول: "أعرف أنّ الحجاب واجب، ولكنني سألتزم به عندما يهديني الله".

نسأل هذه الأخت عن الخطوات التي اتخذتها حتى تنال هذه الهداية الربانية؟

فنحن نعرف أنّ الله تعالى قد جعل بحكمته لكل شيء سبباً، فكان من ذلك أن المريض يتناول الدواء كي يشفى، والمسافر يركب العربة أو الدابة حتى يصل غايته، والأمثله لا حصر لها.

فهل سعت أختنا هذه جادة في طلب الهداية، وبذلت أسبابها: من دعاء الله تعالى مخلصة، كما قال تعالى: {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [الفاتحة:6].ومجالسة الصالحات، فإنهن خير معين على الهداية والاستمرار فيها، حتى يهديها الله تعالى، ويزيدها هدى، ويلهمها رشدها وتقواها، فتلتزم بأوامره تعالى وتلبس الحجاب الذي أمر به المؤمنات؟

خلاصة الأمر: لو كانت هذه الأخت جادة في طلب الهداية لبذلت أسبابها فنالتها.

العذر التاسع:

وما قول أختنا التاسعة؟ قالت: "الوقت لم يحن بعد وأنا مازلت صغيرة على الحجاب، وسألتزم بالحجاب بعد أن أكبر وبعد أن أحج".

ملك الموت، أيتها الأخت، زائر يقف على بابك ينتظر أمر الله تعالى حتى يفتحه عليك في أي لحظة من لحظات عمرك.

قال تعالى: {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف:34].

الموت يا أختاه لا يعرف صغيرة ولا كبيرة، وربّما جاء لك وأنت مقيمة على هذه المعصية العظيمة تحاربين رب العزة بسفورك وتبرجك.

يا أختاه سابقي إلى الطاعة مع المسابقين، استجابة لدعوة الله تبارك وتعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ} [الحديد:21].

يا أختاه لا تنسي الله تعالى فينساك، بأن يصرف عنك رحمته في الدنيا والآخرة، وينسيك نفسك، فلا تعطيها حقها من طاعة الله وعبادته.. قال تعالى عن المنافقين: {نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة:67].

وقال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [الحشر:19].

أختاه: ابتعدي ولو كنت في هذا السن عن فعل كل المعاصي ومنها تركك للحجاب، لأنّ الله شديد العقاب سائلك يوم القيامة عن شبابك وكل لحظات عمرك.

خلاصة الأمر: ما أطول الأمل!! كيف تضمنين الحياة إلى الغد؟

العذر العاشر:

وأخيراً قالت العاشرة: "أخشى إن التزمت بالزي الشرعي أن يطلق علي اسم جماعة معينة وأنا أكره التحزب".
أختاه في الإسلام: إنّ في الإسلام حزبين فقط لا غير، ذكرهما الله العظيم في كتابه الكريم: الحزب الأول: هو حزب الله، الذي ينصره الله تعالى بطاعة أوامره واجتناب معاصيه، والحزب الثاني: هو حزب الشيطان الرجيم، الذي يعصي الرحمن، ويكثر في الأرض الفساد، وأنت حين تلتزمين أوامر الله ومن بينها الحجاب تصيرين مع حزب الله المفلحين، وحين تتبرجين وتبدين مفاتنك تركبين سفينة الشيطان وأوليائه من المنافقين والكفار، وبئس أولئك رفيقا.

أرأيت كيف تفرين من الله إلى الشيطان، وتستبدلين الخبيث بالطيب ففري يا أختي إلى الله، وطبقي شرائعه، {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الذاريات:50].

فالحجاب عبادة سامية لا تخضع لآراء الناس وتوجيهاتهم واختياراتهم؛ لأنّ الذي شرعها هو الخالق الحكيم.

خلاصة الأمر: في سبيل إرضاء الله تعالى ورجاء رحمته والفوز بجنته: اضربي بأقوال شياطين الإنس والجن عرض الحائط، وعضي على الشرع بالنواجذ واقتدي بأمهات المؤمنين والصحابيات العالمات المجاهدات.

خاتمة:

الآن يا أختاه أحدثك حديث الصراحة:

جسدك معروض في سوق الشيطان، يغوي قلوب العباد: خصلات شعر بادية، ملابس ضيقة تظهر ثنايا جسمك، ملابس قصيرة تبين ساقيك وقدميك، ملابس مبهرجة مزركشة معطرة تغضب الرحمن وترضي الشيطان.. كل يوم يمضي عليك بهذه الحال يزيدك من الله بعد ومن الشيطان قربا، كل يوم تنصب عليك لعنة من السماء وغضب حتى تتوبي، كل يوم تقتربين من القبر ويستعد ملك الموت لقبض روحك: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران:185].

اركبي - يا أختاه - قطار التوبة قبل أن يرحل عن محطتك.

تأملي - يا أختاه - في هذا العرض اليوم قبل الغد.

فكري فيه - يا أختاه - الآن وقبل فوات الأوان.
هويدا إسماعيل


دار القاسم

المملكة العربية السعودية_ص ب 6373 الرياض 11442
هاتف: 4092000/ فاكس: 4033150


الـزهــد

الـزهــد

نبذة :
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة"...



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الزاهدين وإمام العابدين، أمّا بعد:

فإنّ الدنيا دار سفر لا دار إقامة، ومنزل عبور لا موطن حبور، فينبغي للمؤمن أن يكون فيها على جناح سفر، يهيئ زاده ومتاعه للرحيل المحتوم، فالسعيد من اتخذ لهذا السفر زاداً يبلغه إلى رضوان الله تعالى والفوز بالجنّة والنجاة من النّار.

إنّما الدنيا إلى الجنة والنار طريق
والليالي متجر الإنسان والأيام سوق


تعـريـف الـزهـد في الـدنيـا:

تعددت عبارات السلف في تعريف الزهد في الدنيا وكلها تدور على عدم الرغبة فيها وخلو القلب من التعلق بها.

قال الإمام أحمد: "الزهد في الدنيا: قصر الأمل".

وقال عبدالواحد بن زيد: "الزهد في الدينار والدرهم".

وسئل الجنيد عن الزهد فقال: "استصغار الدنيا، ومحو آثارها من القلب".

وقال أبو سليمان الداراني: "الزهد: ترك ما يشغل عن الله".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة"، واستحسنه ابن القيم جداً.

قال ابن القيم: "والذي أجمع عليه العارفون: أنّ الزهد سفر القلب من وطن الدنيا، وأخذ في منازل الآخرة!!".

فأين المسافرون بقلوبهم إلى الله؟

أين المشمرون إلى المنازل الرفيعة والدرجات العالية؟

أين عشاق الجنان وطلاب الآخرة؟

الـزهـد فـي القـرآن:

قال الإمام ابن القيم: "والقرآن مملوء من التزهيد في الدنيا، والإخبار بخستها، وقلتها، وانقطاعها وسرعة فنائها، والترغيب في الآخرة والإخبار بشرفها ودوامها".

ومن الآيات التي حثت على التزهيد في الدنيا:

1ـ قوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [سورة الحديد: 20] .

2ـ وقوله سبحانه: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [سورة آل عمران: 14] .

3ـ وقوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}[سورة الشورى: 20] .

4ـ وقوله تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [سورة النساء: 77] .

5ـ وقوله تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَ ﴿16﴾ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [سورة الأعلى: 16-17] .

أحاديث الزهد في الدنيا:

أمّا أحاديث النبي التي رغبت في الزهد في الدنيا والتقلل منها والعزوف عنها فهي كثيرة منها:

1ـ قول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر رضي الله عنهما: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» [رواه البخاري] . وزاد الترمذي في روايته: «وعد نفسك من أصحاب القبور».

2ـ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» [رواه مسلم] .

3ـ وقال صلى الله عليه وسلم مبيناً حقارة الدنيا: «ما الدنيا في الآخرة إلاّ مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع»[رواه مسلم] .

4ـ وقال صلى الله عليه وسلم: «مالي وللدنيا،إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال ـ أي نام ـ في ظل شجرة، في يوم صائف، ثم راح وتركها» [رواه الترمذي وأحمد وهو صحيح].

5ـ وقال صلى الله عليه وسلم: «لوكانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها شربة ماء» [رواه الترمذي وصححه الألباني] .

6ـ وقال صلى الله عليه وسلم: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس» [رواه ابن ماجه وصححه الألباني] .

7ـ وقال صلى الله عليه وسلم: «اقتربت الساعة ولا يزداد الناس على الدنيا إلا حرصاً، ولا يزدادون من الله إلا بعداً» [رواه الحاكم وحسنه الألباني] .

حقيقة الزهد في الدنيا:

الزهد في الدنيا هو ما كان عليه رسول الله وأصحابه، فهو ليس بتحريم الطيبات وتضييع الأموال، ولا بلبس المرقع من الثياب، ولا بالجلوس في البيوت وانتظار الصدقات، فإنّ العمل الحلال والكسب الحلال والنفقة الحلال عبادة يتقرب بها العبد إلى الله، بشرط أن تكون الدنيا في الأيدي، ولا تكون في القلوب، وإذا كانت الدنيا في يد العبد لا في قلبه، استوى في عينه إقبالها وإدبارها، فلم يفرح بإقبالها، ولم يحزن على إدبارها.

قال ابن القيم في وصف حقيقة الزهد: "وليس المراد ـ من الزهد ـ رفضها ـ أي الدنيا ـ من الملك، فقد كان سليمان وداود عليهما السلام من أزهد أهل زمانهما، ولهما من المال والملك والنساء مالهما".

وكان نبينا صلى الله عليه وسلم من أزهد البشر على الإطلاق وله تسع نسوة.

وكان علي بن أبي طالب، وعبدالرحمن بن عوف، والزبير وعثمان رضي الله عنهم من الزهاد مع ما كان لهم من الأموال.

ومن أحسن ما قيل في الزهد كلام الحسن أو غيره: "ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك".

جاء رجل إلى الحسن فقال: إنّ لي جاراً لا يأكل الفالوذج، فقال الحسن: ولم؟ قال: يقول: لا أؤدي شكره، فقال الحسن: إنّ جارك جاهل، وهل يؤدي شكر الماء البارد؟

أهميـة الـزهـد:

إنّ الزهد في الدنيا ليس من نافلة القول، بل هو أمر لازم لكل من أراد رضوان الله تعالى والفوز بجنته، ويكفي في فضيلته أنّه اختيار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال ابن القيم رحمه الله: "لا تتم الرغبة في الآخرة إلاّ بالزهد في الدنيا، فإيثار الدنيا على الآخرة إمّا من فساد في الإيمان، وإمّا من فساد في العقل، أو منهما معاً".

ولذا نبذها رسول الله وراء ظهره هو وأصحابه، وصرفوا عنها قلوبهم، وهجروها ولم يميلوا إليها، عدوها سجناً لا جنة، فزهدوا فيها حقيقة الزهد، ولو أرادوها لنالوا منها كل محبوب، ولوصلوا منها إلى كل مرغوب، ولكنهم علموا أنّها دار عبور لا دار سرور، وأنّها سحابة صيف ينقشع عن قليل، وخيال طيف ما استتم الزيارة حتى أذن بالرحيل.

أقسـام الـزهـد:

قال ابن القيم رحمه الله الزهد أقسام:

1- زهد في الحرام وهو فرض عين.

2- وزهد في الشبهات، وهو بحسب مراتب الشبهة، فإن قويت التحق بالواجب، وإن ضعفت كان مستحباً.

3- وزهد في الفضول، وهو زهد فيما لا يعني من الكلام والنظر والسؤال واللقاء وغيره.

4- وزهد في النّاس.

5- وزهد في النفس، بحيث تهون عليه نفسه في الله.

6- وزهد جامع لذلك كله، وهو الزهد فيما سوى الله وفي كل ما يشغلك عنه.

وأفضل الزهد إخفاء الزهد.. والقلب المعلق بالشهوات لا يصح له زهد ولا ورع.

أقـوال السلف في الـزهـد:

قال على بن أبي طالب رضي الله عنه: "إنّ الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإنّ الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل، {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [سورة البقرة: من الآية 197]".

وقال عيسى بن مريم عليه السلام: "اعبروها و لا تعمروها".

وقال عليه السلام: "من ذا الذي يبني على موج البحر دارا؟! تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارا".

وقال عبدالله بن عون: "إن من كان قبلنا كانوا يجعلون للدنيا ما فضل عن آخرتهم، وإنكم تجعلون لآخرتكم ما فضل عن دنياكم".

قلت: هذا كان في زمان عبدالله بن عون، أمّا اليوم فإنّ أكثر النّاس قد زهدوا في الآخرة حتى بالفضلة!!

الأسباب المعينة على الزهد في الدنيا:

1- النظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها ونقصها وخستها وما في المزاحمة عليها من الغصص والنغص والأنكاد.

2- النظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ودوامها وبقائها وشرف ما فيها من الخيرات.

3- الإكثار من ذكر الموت والدار الآخرة.

4- تشييع الجنائز والتفكر في مصارع الآباء والإخوان وأنّهم لم يأخذوا في قبورهم شيئاً من الدنيا ولم يستفيدوا غير العمل الصالح.

5- التفرغ للآخرة والإقبال على طاعة الله وإعمار الأوقات بالذكر وتلاوة القرآن.

6- إيثار المصالح الدينية على المصالح الدنيوية.

7- البذل والإنفاق وكثرة الصدقات.

8- ترك مجالس أهل الدنيا والاشتغال بمجالس الآخرة.

9- الإقلال من الطعام والشراب والنوم والضحك والمزاح.

10- مطالعة أخبار الزاهدين وبخاصة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


دار القاسم

المملكة العربية السعودية_ص ب 6373 الرياض 11442
هاتف: 4092000/ فاكس: 4033150

أرشيف المدونة الإلكترونية

شريط الفيديو

Loading...